إشعاع هوكينغ..

بقلم :فيصل السلوم ..
لا شك أن الثقوب السوداء تمثل إحدى أكثر المواضيع إثارة وتحديًا للباحثين في مجال علم الكونيات، حيث أنها تمثل نقطة تقاطع بين النظرية النسبية العامة وميكانيكا الكم. هذا الغموض ألهم الفيزيائيين لوضع فرضيات تصف خواص الثقوب السوداء والظواهر التي ستحصل في البيئة المحيطة بالثقوب السوداء نتيجة سلوكها المتفرد. إحدى هذه الفرضيات يسمى بـإشعاع هوكينغ Hawking radiation.
أظهرت حسابات علماء الكونيات في ثمانينيات القرن الماضي انه طبقا لميكانيكا الكم يتوجب على الثقوب السوداء الدوارة أن تشكل وتُشِع جسيمات خارج أفق الحدث، مما يعني أنه طالما لا تتم تغذية الثقب الأسود بكتلة ما، فإنه سوف ” يتبخر” بعد فترة زمنية ما. من الممكن تقدير خواص إشعاع هوكينغ بحسابات مبسطة كالتالي

نقول أن إشعاع هوكينغ عبارة عن إشعاع جسم أسود، لذلك سيخضع لقانون ستيفان-بولتزمان Stefan-Boltzmann law لمعدل الإشعاع. وباستخدام تكافؤ الكتلة والطاقة لآينشتاين، سنجد أن معدل تغير الكتلة سيرتبط بدرجة حرارة الثقب الأسود – لِنُسَمِّها درجة حرارة هوكينغ- ومساحة أفق الحدث بالعلاقة الآتية

‏E=mc^2 □(⇒┬.) dm/dt c^2=σAT_H^4

واعتمادا على حسابات نظرية تقترح أن إنتروبيا -فوضى- الثقب الأسود تتناسب طرديا مع مساحة أفق الحدث، واستخدام قانون نيوتن للجاذبية لتقدير العلاقة بين كتلة الثقب الأسود ومساحة أفق الحدث بناء على كون سرعة الإفلات تساوي سرعة الضوء, نستنتج أن

‏c=√(2Gm/R)→r^2~A~m^2, S~A , dS=dQ/T_H ≈dE/T_H → T_H~1/m    

‏→ dm/dt~-1/m^2 

مما يظهر أن درجة حرارة الثقوب السوداء الصغيرة أكبر منها في الثقوب السوداء العملاقة! ومما يعني أيضا أن الثقوب السوداء الصغيرة تتبخر بمعدل أسرع من تبخر الثقوب السوداء العملاقة. ( أولمبياد الفيزياء الدولي, غير معروف, 2007)
 

(رسم بياني يوضح توزع إشعاع الجسم الأسود ويظهر الاختلاف بين التوقع الكلاسيكي والحديث)

لكن بعيدا عن الحسابات الرياضية، ما هو السبب الفيزيائي لتكوُّن هذا الإشعاع من الأساس؟ الم تكن الثقوب السوداء تبتلع حتى الضوء عند بلوغه أفق الحدث؟ السبب يكمن في أحد أغرب الظواهر في ميكانيكا الكم، وهي ظاهرة التقلبات الكمومية Quantum fluctuation. لفهم هذه الظاهرة بشكل مبسط جدا، لننظر إلى مبدأ الشك في صيغته الآتية

‏∆E∆t ~ ћ

نفهم من هذه الصيغة أنه حتى في الفراغ ” المطلق ” من الممكن أن يكسر قانون حفظ الطاقة لمدة زمنية قصيرة جدا، بحيث تنشأ جسيمات وجسيمات مضادة من اللاشيء وفي فترة قصيرة جدا تفنى. الفكرة الحاسمة الآن، بما أن هذه الأزواج ستتكون في كل الزمكان فلابد أنها ستتكون قرب أفق الحدث. ويحصل أنه قد تنشأ هذه الأزواج في منطقة حرجة بحيث أن أحد الزوجين سيسحب إلى الثقب الأسود والآخر سيفلت بشكل إشعاع وهذا ما يعرف بإشعاع هوكينغ!

 

(رسم بياني يوضح تكون أزواج الجسيمات ومتى يتكون إشعاع هوكينغ)
لاحظ أن ظاهرة التقلبات الكمومية ليست مجرد معادلات على الورق، فمثلا قد أعطت تطابق مع النتائج التجريبية فيما يسمى تأثير كازيمير Casimir effect, وهذا التأثير يحصل عندما يتم وضع لوحين متقابلين على مسافة صغيرة جدا في وسط مفرغ، ويلاحظ أن اللوحين ينجذبان لبعضهما البعض! وتم تفسير هذا التأثير عن طريق التقلبات الكمومية. (يوسف البناي, البنية الواسعة للزمان والمكان مقدمة إلى النظرية النسبية العامة, 2016)
إشعاع هوكينغ ما زال يعتبر فرضية تحتاج إلى كشف وتمحيص تجريبي، وهذه مهمة صعبة لأسباب نستنتجها من حساباتنا السابقة، كملاحظة أن هذا الإشعاع يتطلب ثقبا أسودا بدرجة حرارة عالية وبالتالي كتلة صغيرة، لكن في نفس الوقت تبخر الثقب الأسود الصغير أسرع من الثقب الأسود الكبير. وأضف إلى ذلك بعد الثقوب السوداء عن كوكبنا ووجود الخلفية الميكروية الكونية التي تصعب من مهمة ملاحظة التغيرات الطفيفة في الأشعة المرصودة من الفضاء, ويهدف الباحثون إلى الكشف عن الثقوب السوداء الميكروية – التي قد تتكون تحت بعض الظروف الخاصة – بحكم أنها ستنتج إشعاعا ملحوظا مقارنة بالثقوب السوداء العملاقة.
تدقيق ومراجعة : شهد حدادي

تدقيق علمي:عمار محسن 

الإعلانات

اترك رد