علم الرياضيات بين الماضي والحاضر 1

الكاتب: مشاري مساعد الحديثي

المدققون: أروى الزهراني – عمر ياسين

هل مر في ذهنك يوماً وأنت غارق في محاولة بائسة لفهم طلاسم الأرقام المسماة بالرياضيات، كيف بدأت؟ وكيف تطورت حتى تصبح على ما هي عليه اليوم؟

علم الرياضيات من أقدم ما اكتشفه الإنسان من العلوم، يكاد لا يوجد اختراع أو اكتشاف أو تطور علمي إلا والرياضيات جزء لا يتجزأ منه.

بدأ الإنسان باكتشاف الأرقام قبل أربعة آلاف سنة على الأقل(1)، وكانت جزءاً من كل حضارة وثقافة. فبداية الرياضيات في الصين كانت لتنظيم التجارة وحفظ الحقوق(1). مسمى الرياضيات بدأ من الحضارة الإغريقية وكان يُسمى (ماثيماتيشيا) وتعني “ما جرى تعلمه” وتشمل علوماً مختلفة مثل الفلك والموسيقى(1)، وتم الاشتقاق من هذه الكلمة (ماثيماتيكس) ومثيلاتها في اللغات اللاتينية.

أما في لغتنا العربية فلا يُعرف سببٌ معين للتسمية، أقرب الأقوال هو أن العرب كانوا يسمون الأرض رياضاً وكانوا يستخدمون الأرقام لحساب مساحتها فمن هنا أتت التسمية لكنه قولٌ غير موثوق(2). لكن العرب لم يتوقفوا هنا في رحلتهم لسبر أغوار هذا العلم فكان لنا النصيب في تسمية أحد أكثر فروع الرياضيات انتشاراً واستخداماً ألا وهو علم الجبر، فقال ابن خلدون في كتابه (المختصر في حساب الجبر والمقابلة) : “علم الجبر والمقابلة (أي المعادلة) من فروع علوم العدد، وهو صناعة يستخرج بها العدد المجهول من العدد المعلوم إذا كان بينهما صلة تقتضي ذلك فيقابل بعضها بعضاً، ويجبر ما فيها من الكسر حتى يصير صحيحاً”(2). وكان للخوارزمي نصيب الأسد في وصول هذا العلم للفرنجة فأصبح عندهم باسم (ألجيبرا). ولم يتوقف الخوارزمي هنا فأسس علم الخوارزمية (القوريثم) وهي تشمل نظام الأعداد وعلم الحساب والجبر وطريقة حل المسائل الحسابية.

لنبدأ الآن في استعراض أشهر علماء الرياضيات وأهم مساهماتهم(3)، في بداية هذا العلم لا يوجد شخص بعينه مسؤول عن اكتشافه لضعف التوثيق نظراً لقِدم الفترة، فالاكتشاف يُعزى لحضارة بأكملها. فأقدم نظام عد في التاريخ بدأ عند السومريين 3100 سنة قبل الميلاد ثم طوّر المصريون نظام العد فأصبح يشمل مضاعفات العشرة بعد أن اقتصر السومريون على الآحاد فقط. ثم عاد السومريون وأسسوا جداول الضرب والقسمة ووضعوا بعض القواعد الهندسية البسيطة، بعدهم أتى البابليون عام 1800 سنة قبل الميلاد فصنعوا نظاماً للعد وحساب الكسور باستخدام الألواح الطينية كما في الصورة.

.jpg

نبدأ الآن في سرد أسماء بعينها، طاليس اليوناني كانت له بصمة في الهندسة وخصوصاً علم المثلثات 600 عام قبل الميلاد. اكتشاف الأعداد غير النسبية كان على يد يوناني آخر يُدعى هيبسوس فاكتشفها عندما حاول حساب الجذر التربيعي للعدد 2، ثم نأتي إلى أرخميدس الذي أعطانا المفتاح لحساب مساحة الأشكال المنتظمة 250 عام قبل الميلاد. إراتوستينس أول من اكتشف الأرقام الأولية، وما زلنا في صدد ذكر اليونانيين فهناك أبولونيوس وكان له إسهام في حساب حجم الأشكال المخروطية، وهناك هيباركوس أول من وضع جدولًا للدوال المثلثية وكان بسيطًا، ثم أتى بطليموس فطوّر من جدول الدوال المثلثية وذلك في عام 130 بعد الميلاد.

كان هناك نصيب للحضارة الهندية في تطوير الرياضيات وسبر أغوارها ففي عام 650 بعد الميلاد كان للعالم الهندي براهماغوبتا اليد الطولى في وضع حجر الأساس للتعامل مع الأعداد السلبية وحل مسائل المجهول من الدرجة الثانية. ولا يمكننا ذكر إسهامات الشعب الهندي في الرياضيات دون الإشارة إلى أرقامنا العربية ذات الأصل الهندي فكانت بدايتها على يد بهاسكارا، أتى بعده الخوارزمي ليستفيد الاستفادة القصوى من الأرقام الهندية فأسس علم الخوارزميات والذي يُعرف الآن باللوغاريثم كما ذكرنا سابقاً في عام 830 بعد الميلاد. وجاء العديد من العلماء المسلمين ليثروا ساحة الرياضيات ومنهم إبراهيم بن سنان، محمد الخرجي، ابن الهيثم، عمر الخيام، ناصر الدين الطوسي وأخيراً كامل الدين الفارسي عام 1300 وبعد ذلك لم يكن للمسلمين أي تأثير يُذكر.

وبعد انتهاء إسهامات المسلمين أتى العالم الهندي مادافا، فبسبب حساباته للرقم ط (π) وحسابه للدوال المثلثية كان له دور خفي في تأسيس علم التفاضل والتكامل، وكان للعالم الإيطالي نيكولو تارتاقليا تسجيل أول استخدام للأرقام المركبة (عدد حقيقي ⁺₋ عدد تخيلي). أما العالم البريطاني جون نابيير هو من اخترع اللوغاريثم الطبيعي، أتى بعده بريطاني آخر اسمه جون واليس كان اهتمامه في تحسين مظهر الرياضيات فهو من أعطى اللانهاية علامتها (∞) وهو من وضع كيفية كتابة الأسس، وأيضا هو من وضع خط الأعداد. وجاء الفرنسي باسكال فكان الرائد مع فيرمات في نظرية الاحتمالات.

نأتي للأب الروحي للفيزياء الكلاسيكية إسحاق نيوتن، فهو من أسس علم التفاضل والتكامل ومعادلات ذات الحدين ومتتالية القوى وعاش في الفترة (1643-1727).

هذه كانت إسهامات أساسية وجوهرية في الرياضيات، وأغلب ما ذُكر قد مر على كل طالب أكمل دراسته الثانوية، في الجزء الثاني سنستعرض تفاصيل أدق وأمورًا عميقة ربما لا يعرفها الكثير.

1- (ﺟﺎﻛﻠين ﺳﺘﻴﺪال، تاريخ الرياضيات، 2016)

2- (أحمد محمد عوف، موسوعة حضارة العالم،2000)

2015A mathematcal Chronological ،University of St Anderson) -3)

الإعلانات

اترك رد