جائزة نوبل في الطب تمنح لإكتشاف ألية عمل الساعة البايولوجية

بقلم: مازن عماد

تدقيق علمي: عمار محسن

تدقيق لغوي: عمر إسماعيل / شهد حدادي

 

نحن نعيش على كوكب الأرض، والذي يدور حول الشمس، وفي الوقت ذاته يدور حول محوره، ولنا تابع واحد وهو القمر، بالإضافة إلى أن كوكب الأرض موجودًا ضمن كواكبٍ أخرى مختلفةً في الحجم، وتدور حول الشمس، وبالتالي، فالأرض تتأثر بجيرانها من الأجرام السماوية، وتؤثر فيهم أيضاً.

فوجود القمر ودورانه حول الأرض ضروريًا ومهمًا جدًا؛ لأن القمر يُعتبر كالفرامل التي تكبح وتقلل من سرعة دوران الأرض، ولكن القمر حالياً يتجه ويتحرك مُبتعدًا عن الأرض، مما يعني أن سرعة الأرض في دورانها حول محورها تتغير مع مرور الوقت.

وجودنا ككائناتٍ حية على سطح الأرض يستدعي منا أن نتكيف مع التغيرات المُستمرة التي تحصل عليه، ومن ضمن تلك التغيرات: سرعة دوران الأرض حول محورها، والذي ينتج عنه تغيرًا طيلة الليل والنهار. وتكيف الكائنات الحية -التي من ضمنها الإنسان طبعا- مع التغيرات يتبعه تغيرًا في الساعة البيولوجية الداخلية لتلك الكائنات.

 

ولكن كيف تعمل الساعة البيولوجية؟

معرفة آلية عمل تلك الساعة، كان السبب في فوز الثُلاثي Jeffrey C. Hall, Michael Rosbash and Michael W. Young بجائزة نوبل هذا العام في مجال الطب والفسيولوجيا،

 

DLH2J5QX0AAGGt7.jpg

 

فاكتشافهم يشرح كيف تتغير ساعة الإنسان والحيوان والنبات البيولوجية تِباعًا للتغيّر المُستمر الذي تتعرض له الأرض.

وتمكنوا من ذلك عن طريق عزل الجين المسؤول عن الساعة البيولوجية في ذبابة الفاكهة، فهذا الجين يُنتج بروتينًا يتراكم في الخلية أثناء الليل، وتستخدمه الخلية ويتناقص أثناء النهار. بالإضافة لاكتشافهم بروتينات أخرى تشارك في هذه العملية، وبالتالي استطاعوا أن يعرفوا الطريقة أو العملية التي تجعل الساعة البيولوجية للكائن الحي على ماهي عليه الآن.

تنظم الساعة البيولوجية وظائف حيوية متعددةٍ في الجسم وأفعاله، كسلوكيات الكائن الحي، ومستوى الهرمونات، وأوقات النوم والاستيقاظ، ودرجة الحرارة، والأيض، وكلها عملياتٍ مرتبطة بالساعة البيولوجية، والتي بدورها ترتبط بطول النهار والليل على سطح الأرض. ومن هنا نستنتج: أن أي تغيير في طول النهار أو الليل، أو أي خللٍ في التوقيت على سطح الأرض، سواءً كُنت سببًا فيه أم لا،  كَسَفَرِك إلى مكانٍ بعيد فيه فرقٍ زمنيّ طويل، أو سهرك بالليل والنوم بالصباح وأفعالًا أخرى، ينتج عنها خللاً في الساعة البيولوجية، وبالتالي خللًا في وظائفٍ حيوية في جسمك، فجسمك يُصبح عُرضة للأمراض.

في القرن الـ 18 قام أحد علماء الفلك وهو « جان جاك أورتوس” بدراسة أحد أنواع النباتات، واسمه نبات الـ Mimosa، ووجد أن أوراق هذا النبات تتفتح باتجاه الشمس في النهار، وعند غروب الشمس تغلق الأوراق وتنحني على نفسها،وسأل نفسه سؤالاً، لو وضعتُ هذا النبات في الظلام ولم أعرضه لضوء الشمس، ماذا سيحدث؟

وفعلًا نفذ التجربة، فوجد أن النبات يتفتح في وقت معين كل يوم، وهذا الوقت هو الوقت الذي كان يتعرض فيه للشمس قبل ذلك، وهذا يعني أن النبات بداخله ساعة منضبطة على توقيتٍ معين، وأن هذا التوقيت هو توقيت وجود الشمس، سواءً تواجدت الشمس أو لا، فالنبات ستتفتح أوراقه في هذا الوقت. ولكن علماء آخرين قالوا: أن الساعة البيولوجية ليست موجودة في النباتات فقط، بل موجودة في الحيوان والإنسان،

ولها دورٌ في تهيئة العمليات الفسيولوجية بداخلهم، كإفراز الهرمونات، وبعض السلوكيات، وعمليات الأيض وحرق الغذاء. وهنا اتفقوا على تسمية الساعة البيولوجية « circadianrhythm»، والكلمة هنا مُشتقة من كلمة لاتينية، فكلمة Circa معناها (حول) أو around، وكلمة Dies معناها (يوم) أو Day، ولكن حتى ذاك الوقت لم يكونوا عالمين بآلية عمل الساعة البيولوجية.

في سبعينيات القرن الماضي، تساءَل عالمان اسمهما « Seymour Benzer» و تلميذه « Ronald Konopka» – هل يمكننا أن نعرف الجين الذي يتحكم في الساعة البيولوجية في ذبابة الفاكهة؟،

لم يستطيعوا  تحديد الجين بالتحديد، ولكنهم وجدوا طفرات لو تعرضت لها الذبابة ستؤثر على ساعتها البيولوجية، لم يعرفا الجين نفسه، ولكنهما تأكدا من وجود جينٍ ما مسؤولًا عن الساعة البيولوجية. وأطلقا على هذا الجين اسم «period gene».

 

كيف يعمل هذا الجين؟

هنا يتجلى السبب الذي جعل العلماء يفوزون بجائزة نوبل لهذه السنة. سنة 1984 اثنان منهما -وهما Jeffrey Hall و Michael Rosbash- اشتغلا في معمل في جامعة بوسطن، أما Michael Young فكان يعمل في جامعة نيويورك، استطاعوا أن يتعرفوا على هذا الجين ويعزلوه، بالإضافة إلى أن Jeffrey Hall و Michael Rosbash استطاعا أن يكتشفا البروتين الذي ينتجه هذا الجين، واسمه PER protien، واستطاعا أن يعرفا أن هذا البروتين يتكون أثناء الليل ويتراكم في الخلايا في السيتوبلازم، وفي الصباح تستخدمه الخلية فيتناقص، وهذا معناه أن تراكم البروتين في الخلايا أثناء الليل هو الذي يتحكم في الساعة البيولوجية، وهذا معناه أنه لو تغير نظام الـ24 ساعة، فجسمك لن يستطيع أن ينتج البروتين بكمية كافية، وبالتالي يحصل خلل في ساعتك البيولوجية.

وكلما يزيد إفراز هذا البروتين، ويصل للحد الكافي، يتوقف الجين المسئول عن إنتاجه عن العمل، وبالتالي نفهم أن البروتين وكميته هم المسؤولون عن نشاط الجين وتثبيطه، وهذه آلية تحصل كثيرًا في الجسم مع أكثر من هرمون، ولكن هنا توجد مشكلة قابلها العلماء وهم يعملون، المفترض أن هذا البروتين يُخزَّن في سيتوبلازم الخلية، ولكنهم لما فحصوا الخلايا وجدوا أن البروتين وصل للنواة التي تحتوي على المادة الوراثية للكائن الحي، كيف وصل إلى هناك؟،

سنة 1994 استطاع Michael Young أن يكتشف وجود جينٍ آخر timeless gene مسؤولًا عن الساعة البيولوجية، وهذا الجين يفرز بروتينًا ثانيًا اسمه TIM، وهذا البروتين يتعاون مع البروتين السابق PER  في تنظيم الساعة البيولوجية للكائنات الحية، وهذا البروتين هو الذي يأخذ PER ويذهب به إلى نواة الخلية، وبمجرد وصولهم هناك يُثبط عمل الجينات المسؤولة عنهم.

حسنًا، كيف علمنا بوجود جينين؟ وأن كلاهما ينتجان نوعين من البروتين؟ وأنهما يصلان للنواة ليثبطا عمل تلك الجينات؟ وما الذي يتحكم أساسًا في كمية البروتينات وإنتاجها؟ وأن كلاهما يدخلان النواة مع بعضهما في وقت واحد؟

وهنا استطاع Michael Young لمرة ثانية أن يكتشف جينًا ثالثًا اسمه Doubletime gene ، وهذا الجين ينتج بروتينًا اسمه DBT، هذا البروتين يؤخر ويُبطئ عملية تراكم بروتين الـPER، وبالتالي يضبط وجود البروتينين PER و TIM ليدخلا النواة مع بعضهما.

وهكذا يكون لدينا 3 جينات بـ3 بروتينات

‏1 – Period gene >> PER

البروتين المسؤول عن الساعة البيولوجية

‏2 – Timeless gene >> TIM

البروتين الذي يأخذ PER ويدخله النواة، فيتحكم في عمل الجينات من حيث التنشيط والتثبيط

‏3 – Double-time gene >> DBT

البروتين الذي يتحكم في الـPER ليدخل النواة مع TIM

إذًا، استطاع الثلاثة علماء هذه السنة أن يكتشفوا البروتين المسؤول عن ضبط الساعة البيولوجية من الداخل، وهو DBT، واستطاعوا أن يكتشفوا آلية تثبيط وتنشيط الجينات المسئولة عن إنتاج البروتينات المسؤولة عن الساعة البيولوجية.

وهذا الاكتشاف مهم جدًا، لأننا من خلاله نستطيع أن ندرس كيفية تأثر الكائنات الحية بالبيئة المحيطة، بالإضافة إلى أنه من الممكن أن نعكس الموضوع ونعرف بعض الظروف البيئية بواسطة الكائنات الحية، ففي كل وقتٍ محدد في اليوم يتم إفراز هرمون معين، أو يقوم الجسم بنشاطٍ فسيولوجيّ معين، وبالتالي، من السهل أن نعرف الظروف المحيطة،

وقتما كان الكائن الحي موجود.

المصادر:

)2017 nobel prize in medicine goes to 3 americans for body clock studies, Gina kolata, 2/10/2017)

https://www.nytimes.com/2017/10/02/health/nobel-prize-medicine.html

(Timing is everything: U.S. trio earns Nobel for work on the body’s biological clock, Gretchen VogelErik Stokstad, 2/10/2017)

http://www.sciencemag.org/news/2017/10/timing-everything-us-trio-earns-nobel-work-body-s-biological-clock

(Nobel Prize Awarded for Biological Clock Discoveries,

Jordana Cepelewicz/ John Rennie, 2/10/2017)

https://www.quantamagazine.org/nobel-prize-awarded-for-biological-clock-discoveries-20171002/

 

 

الإعلانات